هل يوجد هيتشنز عربي؟!
قضيت الأيام الماضية في قراءة كتاب الصحافي الشهير كرستوفر هيتشنز “هيتش 22″ وهو كتاب أقل ما يقال عنه أنه ممتع بحق.
لو لم يكن نفسي قصيرا في الكتابة لقمت على الفور بنشر قراءة مطولة عن الكتاب، ولكن الصحافي حسين عبدالحسين نشر في مدوّنته التي ينشرها هنا في المجلة مقالا جميلا عنه بعنوان “المثقف الشقي”، وهو ما حرضني لقراءة الكتاب.
ما أود الكتابة عنه هو هيتشنز نفسه الذي مثل حالة صحافية فريدة جدا. هيتشنز مثل طوال مشواره أحد أكبر مصادر قوة الصحافة، ولهذا السبب كان رحيله وهو في عز عطائه وتوهجه خسارة كبيرة لعالم الصحافة. قال أحد القراء إنه شعر بأنه خسر واحدا من أفراد عائلته.. ولا أظنه جانب الصواب.
بعد أن أنهيت الصفحة الأخيرة قلت في نفسي لماذا لا يكون لدينا هيتشنز عربي؟!. لا أعرف الاجابة على هذا السؤال ولكنني أعرف بعض نقاط القوة في هيتشنز الصالحة لتكون دروسا للصحافيين خصوصا الشباب منهم.
أهم نقاط القوة هذه أن هيتشنز جسور ومباشر وصادم وتشعر أنه يستطيع أن ينتقد أي أحد في أي وقت من دون اي اعتبارات ايديولوجية أو شخصية.
مثلا انتقاده للرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون- بطريقة عنيفة ووصفه بصفات قوية مثل المغتصب والكاذب لم يكن لأحد أن يجرؤ عليها.
عندما تقرأ كتاب هيتشنز عن كلنتون “لم يتبق أحد لتكذب عليه”، من الصعب ألا تقتنع بآرائه رغم حدتها . هيتشنز اليساري – الذي شن هجوما عنيفا على اليسار – لا يعطف أبدا على كلنتون ولكنه يستخدم نفس المخالب الحادة ليمزق من خلالها وزير الخارجية الأشهر – الجمهوري هنري كيسنجر – ويصفه بالشيطان ويطالب بمحاكمته.
في الكتاب يسخر هيتشنز من كيسنجر ويصفه بالجبان الذي لم يجرؤ على رفع قضية عليه لأنه يعرف ما ستجر عليه من ويلات. نفس الشيء قام به هيتشنز مع المهاتما غاندي والأم تريزا وغيرهما.. وياليته بقي على قيد الحياة حتى يقوم بتمزيق باراك أوباما.
لا يعني هذا أنني معارض لأوباما بل بت أضجر من تعامل الصحافة الرقيق معه على عكس من الرئيس جورج بوش التي سحقته بالكامل.
سواء تتفق مع هيتشنز أو لا فإن القارئ لا يقاوم شعور الاعجاب من قدرة هذا الكاتب على التنقل من اليمين إلى اليسار إلى الوسط من دون أن تفتر عزيمته أو تهزمه العلاقات الشخصية أو الميول الفكرية.
النقطة القوية الثانية التي لاحظتها في هيتشنز هو أن للرجل تاريخ طويل وعريض. فالكتاب من أوله إلى آخره قصص متتالية عن تغطياته ورحلاته ومقابلاته وذكرياته عن شخصيات مهمة عرفها، و حتى المواقف التي تعرض فيها للضرب أو الشتم. إذن الرجل صحافي حقيقي.. والصحافي الحقيقي يكون دائما وأبدا في قلب الأحداث ولا يبتعد عنها. وهذا النوع، للأسف، من الصحافيين قليل في عالمنا العربي حيث الكل يفضل أن يجلس في مكتب مكيف وينظر عن أعقد الاحداث وهو لم يقم مرة بزيارة لهذه المناطق التي يتكلم عنه. لكن هيتشنز يتكلم ليس فقط من خلال المعرفة التي يستقيها من الكتب، ولكنه يضيف إليها خبرة الواقع وهذه خبرة لا يستهان بها لأنها تجعل الصحافي والكاتب أكثر فهما للتفاصيل الدقيقة.
نقطة قوة أخرى أعجبتني وهي ثقافة هيتشنز المتينة الممتدة من السياسة الى الأدب الى الفلسفة فالتاريخ. جميل جدا أن يملك الصحافي كل هذا الثقافة الواسعة التي يوظفها لفهم القضايا من زوايا متعددة، وبالتالي يكتب عنها بطريقة خلاقة لم تخطر على بال القارئ من قبل.
هذه علة تعاني منها الصحافة العربية وهي قلة الكتاب الصحافيين المتمكنين من تناول القضايا المعقدة بأسلوب عميق واحترافي وجذاب. لا اقصد التنظير، فقد مللنا وضجرنا منه أشد الضجر، ولكن أقصد الكتابة الصحافية على أصولها.
ما بت ألاحظه هو العكس تماما، حيث بات من السهل أن تجد كاتبا يتضح من مقاله أنه لا يعرف اي شيء عن القضية التي يكتب عنها. مثلا الثورة السورية، بإمكاننا أن نكب 95 في المائة من الذي كتب عنها في الصحافة العربية في البحر من دون أن يصيبنا أي شعور بالذنب.
لا أريد أن أضجرك عزيزي القارئ ولكن هذه هي الخلاصة: جسور + نشيط + مثقف = صحفي ناجح. هذا هو الجنس الصحافي “الهتشنزي” الذي نأمل أن يتكاثر في عالمنا العربي.
لو لم يكن نفسي قصيرا في الكتابة لقمت على الفور بنشر قراءة مطولة عن الكتاب، ولكن الصحافي حسين عبدالحسين نشر في مدوّنته التي ينشرها هنا في المجلة مقالا جميلا عنه بعنوان “المثقف الشقي”، وهو ما حرضني لقراءة الكتاب.
ما أود الكتابة عنه هو هيتشنز نفسه الذي مثل حالة صحافية فريدة جدا. هيتشنز مثل طوال مشواره أحد أكبر مصادر قوة الصحافة، ولهذا السبب كان رحيله وهو في عز عطائه وتوهجه خسارة كبيرة لعالم الصحافة. قال أحد القراء إنه شعر بأنه خسر واحدا من أفراد عائلته.. ولا أظنه جانب الصواب.
بعد أن أنهيت الصفحة الأخيرة قلت في نفسي لماذا لا يكون لدينا هيتشنز عربي؟!. لا أعرف الاجابة على هذا السؤال ولكنني أعرف بعض نقاط القوة في هيتشنز الصالحة لتكون دروسا للصحافيين خصوصا الشباب منهم.
أهم نقاط القوة هذه أن هيتشنز جسور ومباشر وصادم وتشعر أنه يستطيع أن ينتقد أي أحد في أي وقت من دون اي اعتبارات ايديولوجية أو شخصية.
مثلا انتقاده للرئيس الأمريكي السابق بيل كلنتون- بطريقة عنيفة ووصفه بصفات قوية مثل المغتصب والكاذب لم يكن لأحد أن يجرؤ عليها.
عندما تقرأ كتاب هيتشنز عن كلنتون “لم يتبق أحد لتكذب عليه”، من الصعب ألا تقتنع بآرائه رغم حدتها . هيتشنز اليساري – الذي شن هجوما عنيفا على اليسار – لا يعطف أبدا على كلنتون ولكنه يستخدم نفس المخالب الحادة ليمزق من خلالها وزير الخارجية الأشهر – الجمهوري هنري كيسنجر – ويصفه بالشيطان ويطالب بمحاكمته.
في الكتاب يسخر هيتشنز من كيسنجر ويصفه بالجبان الذي لم يجرؤ على رفع قضية عليه لأنه يعرف ما ستجر عليه من ويلات. نفس الشيء قام به هيتشنز مع المهاتما غاندي والأم تريزا وغيرهما.. وياليته بقي على قيد الحياة حتى يقوم بتمزيق باراك أوباما.
لا يعني هذا أنني معارض لأوباما بل بت أضجر من تعامل الصحافة الرقيق معه على عكس من الرئيس جورج بوش التي سحقته بالكامل.
سواء تتفق مع هيتشنز أو لا فإن القارئ لا يقاوم شعور الاعجاب من قدرة هذا الكاتب على التنقل من اليمين إلى اليسار إلى الوسط من دون أن تفتر عزيمته أو تهزمه العلاقات الشخصية أو الميول الفكرية.
النقطة القوية الثانية التي لاحظتها في هيتشنز هو أن للرجل تاريخ طويل وعريض. فالكتاب من أوله إلى آخره قصص متتالية عن تغطياته ورحلاته ومقابلاته وذكرياته عن شخصيات مهمة عرفها، و حتى المواقف التي تعرض فيها للضرب أو الشتم. إذن الرجل صحافي حقيقي.. والصحافي الحقيقي يكون دائما وأبدا في قلب الأحداث ولا يبتعد عنها. وهذا النوع، للأسف، من الصحافيين قليل في عالمنا العربي حيث الكل يفضل أن يجلس في مكتب مكيف وينظر عن أعقد الاحداث وهو لم يقم مرة بزيارة لهذه المناطق التي يتكلم عنه. لكن هيتشنز يتكلم ليس فقط من خلال المعرفة التي يستقيها من الكتب، ولكنه يضيف إليها خبرة الواقع وهذه خبرة لا يستهان بها لأنها تجعل الصحافي والكاتب أكثر فهما للتفاصيل الدقيقة.
نقطة قوة أخرى أعجبتني وهي ثقافة هيتشنز المتينة الممتدة من السياسة الى الأدب الى الفلسفة فالتاريخ. جميل جدا أن يملك الصحافي كل هذا الثقافة الواسعة التي يوظفها لفهم القضايا من زوايا متعددة، وبالتالي يكتب عنها بطريقة خلاقة لم تخطر على بال القارئ من قبل.
هذه علة تعاني منها الصحافة العربية وهي قلة الكتاب الصحافيين المتمكنين من تناول القضايا المعقدة بأسلوب عميق واحترافي وجذاب. لا اقصد التنظير، فقد مللنا وضجرنا منه أشد الضجر، ولكن أقصد الكتابة الصحافية على أصولها.
ما بت ألاحظه هو العكس تماما، حيث بات من السهل أن تجد كاتبا يتضح من مقاله أنه لا يعرف اي شيء عن القضية التي يكتب عنها. مثلا الثورة السورية، بإمكاننا أن نكب 95 في المائة من الذي كتب عنها في الصحافة العربية في البحر من دون أن يصيبنا أي شعور بالذنب.
لا أريد أن أضجرك عزيزي القارئ ولكن هذه هي الخلاصة: جسور + نشيط + مثقف = صحفي ناجح. هذا هو الجنس الصحافي “الهتشنزي” الذي نأمل أن يتكاثر في عالمنا العربي.