بعد رحيل مبارك.. ولاء الصحافة المصرية لمن؟
الصحافة المصرية بعد الثورة.. ماذا تغيّر؟
الصورة تم التقاطها خلال اشتباك وقع بوسط مدينة القاهرة، حيث كان أحد رجال الشرطة يطأ بقدمه صدر فتاة شابة فيما يقوم آخران بتمزيق عباءتها السوداء كاشفين عن صدرية باللون الأزرق، وهو ما يعد أمرا ماسا بالكرامة الإنسانية في أي مكان بالعالم ولكنه أكثر فداحة في مثل ذلك المجتمع المتدين في مصر.
وعندما نزلت أعداد تلك الصحيفة إلى أكشاك البيع في صبيحة 18 ديسمبر (كانون الأول)، وقف عدد من المصريين القريبين من كشك التوزيع فاغرين أفواههم أمام تلك الصورة التي تحتل الصفحة الأولى. فهل كان جيشهم الموقر هو من شن مثل ذلك الهجوم بتلك الطريقة على امرأة؟ كانت الصحيفة المسؤولة عن تلك الصفحة الأولى هي صحيفة «التحرير» التي ظهرت بعد الثورة وأسسها الصحافي المصري المخضرم إبراهيم عيسى (صحافي معارض كان يكتب في العديد من الصحف التي تم إغلاقها على يد الرقابة الحكومية خلال السنوات الماضية). وبخلاف كونها لافتة، فإن قوة القصة تكمن في تحديها لأقوى مؤسسة في مصر: الجيش.
وفقا لسارة السرجاني، نائب رئيس تحرير صحيفة «ديلي نيوز إيجيبت» التي تصدر باللغة الإنجليزية، كان الجيش «دائما يمثل خطا أحمر» في مصر. فقبل الثورة، لم يكن من الممكن نشر أي مقالات تحمل رؤى سلبية حول الجيش. ولكن وفقا للسرجاني، تغير ذلك كله بعد سقوط حسني مبارك ووصول المجلس العسكري إلى السلطة فلم يعد بإمكان الصحافيين أن يكتبوا عن السياسة المصرية من دون الإشارة إلى الجيش. ومع ذلك، كان نعت صحيفة «التحرير» للجيش بالكاذب على صفحتها الرئيسية خطوة جريئة.
ولكن نشر مثل هذا الخبر على الصفحة الأولى لم يعن أي شيء فيما يتعلق بما يستطيع الصحافيون أو لا يستطيعون الكتابة حوله. فمن جهة أخرى، تقول شهيرة أمين، المذيعة بقناة «النيل للأخبار» التابعة لتلفزيون الدولة إنها عندما حاولت أن تقدم حلقة حول الفتاة ذات الصديرية الزرقاء، منعتها رئيستها، قائلة: «إن الوقت غير ملائم للحديث حول حريات الإنسان»، وفقا لما قالته شهيرة التي استقالت خلال ثورة العام الماضي احتجاجا على تغطية محطتها الضعيفة للأحداث. ثم عادت لاحقا للقناة قائلة إنه من الأفضل التعبير عن الاحتجاج داخل المؤسسة بدلا من الاحتجاج من خارجها.
وقالت شهيرة لـ«المجلة» إن وسائل الإعلام في مصر «قامت بذاتها بثورة» منذ سقوط حسني مبارك. وذكرت أمثلة فردية مثل يسري فودة، المذيع الشهير الذي قرر تعليق تقديم برنامجه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بعدما منع مراقبو الجيش بث إحدى حلقات برنامجه على الهواء. ولكن شهيرة تقول إن الكثيرين من العاملين بوسائل الإعلام التابعة للدولة ما زالوا عبيدا للحكومة مضيفة أن صحيفة «الأهرام» واسعة الانتشار والتابعة للحكومة لطالما كانت «لسان حال النظام».
وكانت «الأهرام» محل تهكم وسخرية في أعقاب خلع مبارك، عندما أعلنت العناوين الرئيسية لصفحتها الأولى أن الشعب تمكن من الإطاحة بالنظام. وجاء ذلك بعد عدد متتال من المقالات التي كانت تقلل من شأن حركة الاحتجاج وترجعها إلى أجندات خارجية مغرضة.
وفي فبراير (شباط) يبدو أن الصحيفة عادت إلى أساليبها القديمة، حيث زعمت على صفحتها الأولى أن «التمويل الأميركي يستهدف نشر الفوضى في مصر». وكان المصدر في المقال هو اقتباس عن وزيرة التعاون الدولي، فايزة أبو النجا الذي جاء في محاكمة 16 عاملا أميركيا بالمنظمات غير الحكومية وعشرات غيرهم بتهمة إساءة استخدام التمويل الأجنبي.
وليس نفوذ الدولة في الصحافة المصرية بالشيء الجديد. فتتذكر سارة السرجاني أن صحيفة «ديلي نيوز إيجيبت» كانت تتوقع مكالمتين في الشهر من الرقابة حول المقالات الهجومية خلال نظام حسني مبارك. ولكن وفقا للصحافية لينا الورداني تمثل الرقابة الذاتية مشكلة كبرى بقدر ما يمثله التدخل الحكومي، حيث كان المحررون يتجنبون أي موضوعات حساسة يمكن أن تقودهم إلى قاعات التحقيق. وأضافت: «لقد حولت وسائل الإعلام الحكومية وبعض وسائل الإعلام ذات الملكية الخاصة ولاءاتها من حسني مبارك إلى المجلس العسكري. إذا ما نظرت إلى الصفحات الأولى، بدلا من: حسني مبارك قال ذلك أو ذاك، فإنه: المشير حسين طنطاوي قال ذلك أو ذاك».
تعمل الورداني في صحيفة «الأهرام الإلكترونية» التي تصدر باللغة الإنجليزية. وتعمل الصحيفتان وفق ميثاق تحريري مختلف تماما، نتاجا للحريات التي سمحت بها الحكومة المصرية للصحف الصادرة باللغة الإنجليزية. وهي سياسة تعتمد على أن الأغلبية العظمى من المصريين لا يستطيع قراءة الصحف الإنجليزية. ومع ذلك، لا تزال النسخ المطبوعة من الصحيفة الصادرة باللغة الإنجليزية تخضع لرقابة دقيقة، وهو ما يأتي كنتيجة لرقابة الحكومة على الصحافة المطبوعة بالإضافة إلى ما تطلق عليه السرجاني «التفكير العتيق».
ويعتقد بعض المهتمين أن الصحافة المصرية حققت مكاسبه إلى حد كبير من سقوط حسني مبارك العام الماضي. فقد قال سامي طايع، الأستاذ بكلية الإعلام بجامعة القاهرة إن الصحافيين لديهم الآن حرية أكبر. مضيفا: «أعتقد في بعض الأحيان أن المحررين ينشرون الإشاعات، فهم ينشرون القصص التي تخدم أجندات صحفهم ويعملون وفقا للمصالح الشخصية».
ومع ذلك ووفقا لسرجاني، فإن فكرة الحريات الأوسع للصحافة في أعقاب الثورة المصرية هي مجرد وهم. فتقول السرجاني، إن الصحافيين عالقون في عقد مع قادتهم العسكريين الجدد على طريقة «أوريل» حيث يسمح لهم «بأن يقولوا بعض الأشياء ما لم تمس أحد الخطوط الحمراء». وأضافت: «في رأيي، لقد أخفقنا كصحافيين بعد الثورة فقد كانت لدينا فرصة وكان بإمكاننا فرض واقع جديد فيما يتعلق بحرية الصحافة وإعادة تحديد ما يمكن الكتابة حوله وما لا نستطيع الكتابة حوله».
«تستطيع الإحساس بأن الأشياء تتحرك، من تغطية الانتخابات إلى اتجاه الآراء التي تم السماح بها. ولكن إذا قارنت ذلك بالمساحة الممنوحة للآراء التي تتبناها الدولة، ستجد أن الأصوات الجريئة ما زالت أقلية».